سباقُ الخيول يعود إلى موطنه - كأس دبي العالمي
بقلم : محمد بن راشد آل مكتوم
تتمثل أولى ذكريات عمري في انطلاقي مسرعاً في الصحراء،
ممتطياً صهوة جواد أغوص في سرجه أمام أبي المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. وأتذكر تماماً إيقاع خطوات الفرس الأبيض "صقلاوي" الذي كان أبي يؤثره، وأتذكر كيف كنت أرى الرمال والسماء أثناء الحركة المتماوجة للفرس في الخطى الواسعة عبر الكثبان الرملية، لكن أكثر ما يلح في ذاكرتي يد أبي التي كانت تلف خصري والشعور بالفرح الغامر والسكينة في روحي.
هذا هو أنا بل هؤلاء نحن. إننا شعب الخيول، تلك الخيول التي أعطت العالم الكثير عبر القرون منذ فجر التاريخ كوسيلة للتنقل ومعين في النشاط الزراعي وحراثة الحقول على امتداد كوكبنا، وكوسيلة حملت الرجال وآمال الأمم إلى الحرب، وأخيراً كرفيق لا يقدر بثمن وشريك في الرياضة، من هنا انطلقت الخيل من الجزيرة العربية، وكما أنني وشعب الإمارات نعشق الخيول وهي تنتمي إلينا.
كانت الخيل هي التي ساعدت بني البشر في الترحال، وأنقذت حياتهم في الحروب، وتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم تفيد بأن الرجل يكون غنياً عندما يمتلك مهراً وبستان نخيل، لقد كانت الخيل هي ما يتطلع الرجال إلى امتلاكه، ومن يقرأ القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وسيرة النبي يسهل عليه فهم أهمية الخيل، فهي مختلفة عن كل الحيوانات.
حيث تعد مصدر بركة لصاحبها، وهي مصدر فخر لكل عربي ورمز
للقوة والشهامة والسلطة، ويقول الله تعالى في كتابه العزيز »وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل« (الآية 26 من سورة الأنفال)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (أورده البخاري).
أبناء الصحراء يتميزون بالاعتزاز بالنفس والحصافة، والتباهي بالمشاعر علناً ليس من شيمنا، لكن الإنسان بحاجة إلى كائن ما ليفضي له بتلك المشاعر، ومن الناحية الانفعالية حظيت الحيوانات بالنصيب الأكبر من التعبير عن مشاعرنا، خيولنا وأبلنا بالنسبة للرجال والنساء على حد سواء، وكثيراً ما كنت أرى رجلاً أو امرأة يخفي جزعه لموت عزيز ومثل هذه القدرة على كظم المشاعر تكسر القلب، لكنها في الوقت نفسه أسلوب للتعبير عن التسليم بقضاء الله، وهذه القدرة نفسها على كتم المشاعر كانت تفيض دمعاً مدراراً على موت حصان أو جمل، ووراء تلك الدموع التي تنهمر بسهولة حزناً على الفقيد، يختفي شعور بالحزن وبكل المشاعر التي كظمها حزناً على من فقد ولم يستطع أن يبكي عليه.
ويتجلى في ثقافة البدو ذلك العشق الظاهر للطبيعة، فالرجال يرقصون طرباً ويتمايلون على الإيقاعات الموسيقية، كما يتمايل الجمل عبر رمال الصحراء، برشاقة من شأنها، وفق المنطق، أن تراوغ مثل هذا الحيوان الكبير والثقيل. أما النسوة اللاتي يرقصن ويهززن خصائل شعرهن يميناً ويساراً فهن يقلدن حركات رأس المهر بشعره الأسود الذي يمكن أن يغطي عينيه السوداوين النجلاوين..
حيث تظلل الغرة جبينه الواسع. لا يمكن لأي نمط من الحياة أن يمنح الإنسان هذا الطوفان من الجمال. ربما يكون هذا أهم مبادئ الاختلاف في الثقافات بين الشرق والغرب، ولهذا فإننا ندرك الجمال الطبيعي في الكائنات، لكننا لا نزال على قوة أعلى ولا نزال نسعى لتقليد الطبيعة وليس متابعة ما يصنعه الإنسان والاعتقاد بأنه حقيقي. الإنسان قد يكذب لكن أن يصدق كذبته فتلك خطيئة تدل على أعلى درجات الغباء.
وبالنسبة لي وللكثيرين ممن أعرفهم، أن الفرس هو الأكثر جمالاً بل هو الجمال المطلق، فالفرس الذي تبدو أوتاره كخيوط القوس وعضلاته المستديرة ناعمة الملمس تحت يدي يجعلني أتعجب من القوة التي يمتلكها. أما منحنيات كتفيه التي تلتقي عند صدره الناعم والمبدع فتعلوها صدارة تتوزع بين خصلات شعر متماوجة، والخيل بالغة الاختلاف عن الإبل التي لا تعد سريعة الاهتياج، وإنما هي عاطفية وحكيمة بقدر ما هي فظة ولا تعرف التسامح.
أحياناً يختار المرء ما يريد في حياته، وأحياناً ربما يتساهل لأن ما يريده قد يكون نزوة. لكن عندما تختار الحياة ما تريد من الإنسان تتحول إلى قوة طاغية. تلك هي حال العرب مع الخيل. فالتاريخ العربي غني ومليء بالتجارب هكذا بدأ ولن ينتهي ربما لأنه بدأ مع فجر التاريخ، والخط الذي اخترت أن أتبعه مغزول في حياتي، إنه الجزء من حياتي الذي منحها معناها، لقد نجح البدو مربو الخيول في الحفاظ على دم سلالة صحرائهم غاية في النقاء، واحتل المهر مكانة خاصة في حيازة البدوي.