
القيادة الحقة لا تختار بين البدائل التي تطرح أمامها فحسب، غير أنها تلك القيادة التي تطرح بدائل جديدة غير مطروحة وغير مطروقة، وخارج صندوق التفكير النمطي أو المتوقع، كما أنها القيادة التي تستطيع بقوة المنطق وجلاء البيان أن تجعل من حولها يتفاعل مع أطروحاتها سواء من القائمين على تفعيلها واستمراريتها حتى تؤتي ثمارها، أو هؤلاء المستهدفون بهذه الأفكار وإن بدت كما قلت غير متوقعة، وهل القيادة الحقة تبحر دائما في المناطق الدافئة أم أنها تحمل حلماً تؤمن به.
أقول هذا بعد أن أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم "مجلس محمد بن راشد الذكي"، ليكون أكبر منصة ذكية تضم 30 دائرة حكومية في دبي، هدفها فتح قنوات التواصل بين القيادة السياسية وبين الجمهور على مدار الساعة، بإشراف مباشر من سموه، بما يعني أن كل فرد يستطيع أن يصل بفكرته أو رأيه أو ملاحظاته.
والحق أن ذلك ليس بجديد على سموه الذي يعد من القادة الأكثر استخداما لوسائل التواصل الجديدة في التفاعل مع شعبه، هذا التواصل الذي هو إرث ثمين كرسه المؤسسون ويحرص على استمراره وتعميقه من تربوا على أعينهم باستخدام كافة الوسائل الحديثة التي تفسح المجال للجمهور للتواصل بشكل أكثر فاعلية وهو ما يتوافق ولغة العصر، وهو ما أكده سموه قائلا "أبوابنا كانت وستبقى مفتوحة وقنوات التواصل معنا مفتوحة، واليوم نضيف قناة جديدة ومجلساً جديداً يضم جميع الجهات الحكومية معنا لتلقي الآراء والاقتراحات والاستماع للملاحظات".
ولا شك أن هذا النمط من القيادة هو الحافز والدافع إلى تحقيق الإنجاز ومواجهة كافة التحديات بسند من فكر مجتمعي يعبر عن أفكار ورغبات واحتياجات الجمهور.
إن الآفة التي أصابت المسؤولين في جزء كبير من أمتنا العربية أنهم معزولون عما يحتاج إليه الناس، ومصابون بصمم مقصود عن من حولهم وهو ما جعل المسؤول في واد والشارع في واد آخر، وكانت النتيجة الحتمية تلك الفوضى التي نشهدها في الشارع العربي.
إن قدرة الجمهور على التعبير عن رأيه يشعره بأنه يملك كافة الخدمات التي هو معني بها من الأساس، كما أن إحساسه بأن صوته مسموع، وكلمته مقروءة، وملاحظاته لها أثر في الممارسات اليومية، وفكرته تؤخذ بعين الاعتبار من القيادة في أعلى مستوياتها هذا الإحساس يرسخ لديه القيمة الحقيقية للمواطنة، وأنه مشارك بالفعل في الإنجازات المحققة على الأرض، وهو ما يدفعه للحفاظ عليها وتنميتها.
إن دبي التي انطلقت من حدائقها نسائم التميز فصارت اليوم ثقافة في حدائقنا السبع تطلق اليوم المجلس الذكي الذي يجب أن يحتذي به كل مسؤول في وزارة أو دائرة أو مؤسسة حكومية أو خاصة، كل على قدر حاجته وحدود مسؤوليته والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وعندما يدرك كل صاحب مسؤولية أن هناك من يتابعه وإن المعني بالخدمة يستطيع أن يصل بصوته إلى أعلى مستويات المسؤولية ينعكس ذلك على مستويات الأداء المقدم وهو ما يعظم من أثر ما يقدم للجمهور.
ولا شك أن إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للمجلس الذكي هو نموذج حي لكيفية تطويع التكنولوجيا الجديدة لتحسين جودة حياة الناس وتعزيز الراحة وتوفير الرفاهية للجميع، وتلك هي حالة التوازن التي استطاعت أن تحققها الإمارات العربية بامتياز حين حافظت على الحالة الفريدة من التواصل بين القائد وشعبه، وعمقت ذلك من خلال تطويع وسائل التواصل الجديدة لتحقيق ذات الهدف، كما إنه تجسيد لمبادرة سموه في الاستخدام الإيجابي لتلك التكنولوجيا بعيداً عن جوانبها السلبية.
إن تأكيد سموه على أن الأفكار ليست حكرا على أحد وليس لها وقت محدد هي مقولة عبقرية تستحق التوقف أمامها طويلا، حيث أكدتها كافة الدراسات المتعلقة بآليات الإبداع وطبيعة الأفكار المبدعة التي خلصت فيها إلى أن أصحاب الأفكار المبدعة لا يتفاعلون معها بالقدر الكافي إلا عندما يدركون أن هناك من يستمع إليها، فما بالك فيمن ينتظرها ويدفع بها! كما أن التجارب أثبتت أن وقت الفكرة المبدعة وتوقيتها لا يرتبطان بحالة منتظمة وهذا يتطلب تدوينها في الحال، فما بالك بمن يستطيع أن يدفع بها إلى القيادة مباشرة، وهو ما يبعد عن أسباب وأد الإبداع عندما يتم التعامل بها عبر المرور بقنوات روتينية قد تفقد الفكرة وهجها والدافعية إليها، ذلك أن الإبداع وهو حالة استثنائية لا يمكن التعامل معها بأدوات تقليدية، لذا أطلق قائد الحكومة الذكية "المجلس الذكي".
بقلم: د. خالد الخاجة
المصدر: البيان